سيد محمد طنطاوي

404

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد قال : فإن قلت : ما معنى * ( كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ) * قلت : شبهوا في استنادهم - وما هم إلا أجرام خالية عن الإيمان والخير بالخشب المسندة إلى الحوائط لأن الخشب إذا انتفع به ، كان في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع ، وما دام متروكا فارغا غير منتفع به ، أسند إلى الحائط ، فشبهوا به في عدم الانتفاع . ويجوز أن يراد بالخشب المسندة الأصنام المنحوتة من الخشب ، المسندة إلى الحيطان ، وشبهوا بها في حسن صورهم ، وقلة جدواهم ، والخطاب للرسول صلى اللَّه عليه وسلم أو لكل من يخاطب . . « 1 » . فأنت ترى القرآن الكريم وصفهم بتلك الصفة البديعة في التنفير منهم وعدم الاغترار بمظهرهم لأنهم كما قال القائل : لا تخدعنك اللحى ولا الصور تسعة أعشار من ترى بقر تراهم كالسحاب منتشرا وليس فيه لطالب مطر في شجر السرو منهم شبه له رواء وماله ثمر ثم وصفهم - سبحانه - بعد ذلك بالجبن والخور فقال : * ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ . . . ) * . والصيحة : المرة من الصياح ، والمراد بها ما ينذر ويخيف أي : يظنون لجبن قلوبهم ولسوء نواياهم ، وخبث نفوسهم - أن كل صوت ينادى به المنادى ، لنشدان ضالة ، أو انفلات دابة . . . إنما هو واقع عليهم ضار بهم مهلك لهم . . قال الآلوسي : قوله : * ( يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ ) * أي : واقعة عليهم ، ضارة لهم ، لجبنهم وهلعهم . وقيل : كانوا على وجل من أن ينزل اللَّه - تعالى - فيهم ما يهتك أستارهم ، ويبيح دماءهم وأموالهم . والوقف على « عليهم » الواقع مفعولا ثانيا ل « يحسبون » وهو وقف تام . وقوله - تعالى - : * ( هُمُ الْعَدُوُّ ) * استئناف . أي : هم الكاملون في العداوة ، والراسخون فيها ، فإن أعدى الأعداء ، العدو المداجى . * ( فَاحْذَرْهُمْ ) * لكونهم أعدى الأعداء ، ولا تغترن بظواهرهم . . « 2 » .

--> ( 1 ) راجع تفسير الكشاف ج 4 ص 540 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 28 ص 112 .